قررت الذهاب إلى قريتي، وهناك صادفت والدي وهو يوبّخ عامله على غير عادته، على الفور تدخّلت لتلطيف الأجواء إلا أنني فوجئت( بتيسنا) ممدداً على الأرض وقد قضى نحبه ... لقد كان الموقف مهولاً حيث سنفارق هذا التيس المميز بعد خمس سنوات قضاها في إدارة القطيع دونما منافس فقد كان (الذكر الوحيد)، والحقيقة أنه كان أهلاً للثقة لنسله المميز والذي شهد له جميع أهل القرية، حتى اكاد اجزم أنه لا يوجد بيت في القرية لم يستقبل هذا التيس بحفاوة، طبعاً للقيام بواجبه تجاه نعاجهم.
طلبت من والدي أن يشرح لي ما حصل فأجابني بأن العامل قد أرتكب جرماً فاحشاً عندما سهى عن قفل باب غرفة الأعلاف وبالتالي استطاع هذا التيس بحكم ما يملكه من صلاحيات للخروج وحيداً من الحظيرة ودخول هذه الغرفة ثم الانقضاض على الأعلاف أكلاً حتى فارق الحياة بشرف !!!
عندها سألت والدي وهل هذا التيس لا يملك من خبرة الخمس سنوات أو من ذكائه الفطري ما يكفي ليتناول احتياجه فقط من العلف؟!! فأجابني الوالد حفظه الله قائلاً: "نسيت المثل القائل (خذ من يوم السعد حدّه) لقد كان هذا يوم السعد بالنسبة للتيس عندما أخطأ العامل بترك باب غرفة الأعلاف مفتوحاً ولذا أنقض عليه ليأكل أقصى ما يمكنه، فقد كان على يقين بأن ذلك لن يتكرر.
هنا وقفت اجلالاً لذكاء هذا التيس الذي فاق اقرانه واراد أن يضرب ضربة العمر ... لقد مشيت في جنازته وهو محمولاً على كتف العامل، ورأسه يترنح بقرنيه الطويلان، وبعينين شاخصتين ولسان حاله يقول لست أخر الركب. لقد سرت في جنازته وانا مازلت أفكر كيف استطاع هذا التيس الفريد أن يتوصّل إلى حكمتنا نحن البشر والتي كانت نتاج سنين طويلة ومريرة (خذّ من يوم السعد حدّه) وأصبح شغلي الشاغل أن أجد مثل شبيه أو قريب من مثلنا الشعبي (نحن العرب) فلم أجد بل الأدهى والأمر أني ونجد أغنام الغرب تسرح وتمرح في هضاب وتلال كلّها عشب أخضر طري ومع ذلك لم (يفطس) تيس ولا نعجة لهم نتيجة شراهة في الأكل .... فهل البيئة تصنع ثقافة البشر
وتتحكم في سلوك البهايم ؟